الشيخ محمد رشيد رضا

293

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الافراد والشعوب في التنافس والمسابقة إلى ما يفضل به بعضهم على بعض . فمنهم من سلك في ذلك سبيل الحق والخير ، ومنهم من سلك طرق الباطل والشر . ولذلك ينتهي الاختبار تارة بارتقاء كل من المتنافسين في العلوم والاعمال النافعة وتارة ينتهي بالرزايا والنكال لكل منهما . وتارة ينتهي بارتفاع فريق إلى أعلى الدرجات ، وهوي الآخر إلى أسفل الدركات . وكان الواجب على المسلمين أن يكونوا أول المهتدين بهذا الارشاد الإلهي في منافستهم لغيرهم ومنافسة غيرهم لهم وذلك قوله تعالى في آخر السورة ( 167 وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ . إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ) فعسى أن يتوبوا ويتوب اللّه تعالى عليهم ، ويعود برحمته الخاصة عليهم ، فيرفع عنهم ما نزل بهم من الارزاء ، ويعيد إليهم ما سلبهم من الآلاء ، وهو الغفور الرحيم ، ذو الفضل العظيم ( الأصل الحادي والعشرون ) التوبة الصحيحة مع ما يلزمها من العمل الصالح توجب مغفرة الذنوب ورحمة الرب الغفور ، بايجابه ذلك على نفسه ، بسننه في خلقه ووعده في كتابه ، لا بتأثير مؤثر ولا ايجاب موجب ولا محاباة شافع والآية 54 من هذه السورة نص في هذا الايجاب الشرعي إذ قال ( كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهالَةٍ ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) وأما ايجابها بمقتضى سنن اللّه تعالى فهو أن مبدأ التوبة شعور بالألم والامتعاض من الذنب والحياء من اللّه والخوف من سخطه وعقابه عليه ولوم النفس الذي يسميه بعضهم توبيخ الضمير وهذا يستلزم بسنة الفطرة البشرية تركه والاتيان بعمل يضاده ويذهب بأثره من النفس . وقد عرف أبو حامد الغزالي رحمه اللّه تعالى التوبة بأنها مركبة من علم وحال وعمل فالعلم بقبح المعصية وكونها سببا لسخط اللّه وعذابه يوجب الحال وهو ألم النفس الذي ذكرناه آنفا . وهذا الحال يوجب العمل الشامل لترك الذنب وتكفيره بالعمل الصالح ولا سيما إذ كان مضادا له . ويراجع تفسير الآية في ص 448 ج 7 ثم تفسير الآيات التي يحيل عليها في تفصيل المسألة وقد أخرنا هذا الأصل لتذكير الافراد والأقوام من هذه الأمة التي جعل اللّه تعالى هذا الكتاب إمامها بما يجب عليها من التوبة عن مخالفة ما هداها اليه من دين اللّه القويم وصراطه المستقيم وتنكب ما ارشدها اليه من سنته في خلقه